محمد أبو زهرة

3544

زهرة التفاسير

هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ الضمير يعود على اللّه جل جلاله الذي أوجد لهم القوى التي يسيرون بها في البر والبحر ، وبسط لهم الأرض ، وسخر لهم ما يركبون في البر والبحر ، وقد نسب التسيير إلى نفسه ؛ لأنه سبحانه خالق الأسباب والمسببات ، وممهد المهاد إنه القاهر فوق عباده وعلى كل شئ قدير . بعد ذلك بين سبحانه هول البحار بالنسبة للصحراء ، وقد كان العرب يعدّون البحر مركب الأهوال ، وكانوا يخافونه لأنهم لم يألفوه ، والذين عرفوه وألفوه كانوا يتعرضون لمخاطره وشدائده ؛ ولذا خصه سبحانه وتعالى بالذكر حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها . حَتَّى جاءت كناية للإشارة إلى خوفهم ركوب الفلك ، أي حتى إذا أقدمتم مع خوفكم وركبتم الفلك ، والفلك تكون جمعا أو مفردا وهي هنا جمع بدليل جَرَيْنَ فإن الضمير يعود على جمع ما لا يعقل مثل بهن فلول من قراع الكتائب . والخطاب إلى الغيبة ؛ لكي يتمكنوا من رؤية العبرة كأنها في غيرهم وليست فيهم ، وقوله تعالى : بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها طيبة أي رخاء لينة وكأنها متعة للمسافرين في البحار ، فرأوا في البحر غير ما توقعوه وخافوه ، ثم لم يلبثوا حتى جاءهم ما يرهبون . جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ - الضمير يعود إلى الريح الطيبة - المعنى أن الريح الطيبة أعقبتها ريح عاصف بصريرها واضطراب البحر ، وجاءهم الموج من كل مكان يرتفع كالجبال متراكما بالأذى وصاروا في ظلمات ، كقوله تعالى : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ . . . ( 40 ) [ النور ] . فالسماء فوقهم معتمة والأمواج حولهم متراكمة ، لا منجاة لهم ، وظنوا أنهم قد أحيط بهم ، والظن هنا بمعنى العلم بما هو مخوف مرهوب ، وهو علم يتوهمون